العيني
11
عمدة القاري
البخاري هذا الحديث بعين هذا الإسناد والمتن جميعا في : باب الصلاة خلف النائم ، وقد استقصينا الكلام فيه هناك . قوله : ( فأوترت ) الفاء فيه تسمى : فاء الفصيحة ، فتقديره : فقمت وتوضأت فأوترت . 4 ( ( بابٌ لِيَجْعَلَ آخِرَ صلاَتِهِ وِتْرا ) ) أي : هذا باب ترجمته ليجعل إلى آخره أي : ليجعل المصلي آخر صلاته بالليل صلاة الوتر . 899 حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ عُبَيْدِ الله قال حدَّثني نافِعٌ عنْ عَبْدِ الله عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرا . مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الترجمة مأخوذة منه . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعبيد الله ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنهم . والحديث أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن زهير بن حرب ومحمد بن المثنى . وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، وفي روايته بعد قوله : ( وترا ، فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، كان يأمر بذلك ) . ويستفاد منه حكمان : الأول : استحباب تأخير الوتر ، وقد مر الكلام فيه . والثاني : فيه الدلالة على وجوب الوتر . واختلف العلماء فيه ، فقال القاضي أبو الطيب : إن العلماء كافة قالت : إنه سنة ، حتى أبو يوسف ومحمد ، وقال أبو حنيفة وحده : هو واجب وليس بفرض . وقال أبو حامد في تعليقه : الوتر سنة مؤكدة ليس بفرض ولا واجب ، وبه قالت الأئمة كلها إلاّ أبا حنيفة . وقال بعضهم : وقد استدل بهذا الحديث بعض من قال بوجوبه ، وتعقب بأن صلاة الليل ليست واجبة . . . إلى آخره ، وبأن الأصل عدم الوجوب حتى يقوم دليله . وقال الكرماني أيضا ما يشبه هذا . قلت : هذا كله من آثار التعصب ، فكيف يقول القاضي أبو الطيب وأبو حامد ، وهما إمامان مشهوران ، بهذا الكلام الذي ليس بصحيح ولا قريب من الصحة ؟ وأبو حنيفة لم ينفرد بذلك ، هذا القاضي أبو بكر بن العربي ذكر عن سحنون وأصبغ بن الفرج وجوبه ، وحكى ابن حزم أن مالكا قال : من تركه أُدِّبَ ، وكانت جرحه في شهادته ، وحكاه ابن قدامة في ( المغني ) عن أحمد ، وفي ( المصنف ) عن مجاهد بسند صحيح : هو واجب ولم يكتب ، وعن ابن عمر بسند صحيح : ما أحب أني تركت الوتر وأن لي حمر النعم ، وحكى ابن بطال وجوبه عن أهل القرآن عن ابن مسعود وحذيفة وإبراهيم النخعي ، وعن يوسف بب خالد السمتي شيخ الشافعي وجوبه ، وحكاه ابن أبي شيبة أيضا عن سعيد بن المسيب وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود والضحاك . انتهى . فإذا كان الأمر كذلك ، كيف يجوز لأبي الطيب ولأبي حامد أن يدعيا هذه الدعوى الباطلة ؟ فهذا يدل على عدم اطلاعهما ، فيما ذكرنا ، فجهل الشخص بالشيء لا ينفي علم غيره به . وقول من ادعى التعقب بأن : صلاة الليل ليست بواجبة . . إلى آخره ، قول واهٍ لأن الدلائل قامت على وجوب الوتر . منها : ما رواه أبو داود : حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو إسحاق الطالقاني حدثنا الفضل بن موسى عن عبيد الله بن عبد الله العتكي ( عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا ، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا ، الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا ) . وهذا حديث صحيح ، ولهذا أخرجه الحاكم في ( مستدركه ) وصححه . فإن قلت : في إسناده أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله ، وقد تكلم فيه البخاري وغيره . قلت : قال الحاكم : وثقه ابن معين ، وقال ابن أبي حاتم : سمعت أبي يقول : هو صالح الحديث ، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء ، فهذا ابن معين إمام هذا الشأن وكفى به حجة في توثيقه إياه . فإن قلت : قال الخطابي : قد دلت الأخبار الصحيحة على أنه لم يرد بالحق الوجوب الذي لا يسع غيره . منها : خبر عبادة بن الصامت لما بلغه أن أبا محمد ، رجلاً من الأنصار ، يقول : ( الوتر حق ، فقال : كذب أبو محمد ، ثم روى عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في عدد الصلوات الخمس . ومنها : خبر طلحة بن عبيد الله في سؤال الأعرابي . ومنها : خبر أنس بن مالك في فرض الصلوات ليلة الإسراء قلت : سبحان الله ما أقرب هذا الكلام ، إلى السقوط ، فمنه يشم أثر التعصب ، وكيف لا يكون واجبا والشارع يقول الوتر حق ، أي : واجب ثابت ، والدليل على هذا المعنى . قوله : ( فمن لم يوتر فليس منا ؟ ) وهذا وعيد شديد ، ولا يقال مثل هذا إلاّ في حق تارك فرض أو واجب ، ولا سيما وقد تأكد ذلك بالتكرار ثلاث مرات ، ومثل هذا الكلام بهذه التأكيدات لم يأت في حق السنين ، فسقط بذلك ما قاله الخطابي